🌹بني أحبك ( 11 )
طفلي يقرأ
🔷كنت أصلي يوما في المسجد مع الجماعة صلاة العصر و كعادتنا نلتقي في برزة القرية عقب الصلاة لتناول بعض التمر و القهوة غير أن الجلبة التي أحدثها الصبية شدت انتباهي فصرفت بصري تجاههم ثم يممت شطرهم فإذا بهم يتأهبون لسباق الدراجات الهوائية .
🔹قبل إعلان ساعة البدء حاولت اختبار حدسي فيمن سيفوز في هذا السباق فضمرت في نفسي أن محمدا ابن الأحد عشر ربيعا هو من سيفوز في هذا السباق و لم أحدس بهذا استنادا لكبر سنه و لا لقوة عضلاته و لا لفتوته لأنه نحيف نحيل لكن لأني علمت أن الله سبحانه أودع في هذا الطفل نفسا تواقة تتوق لمعالي الأمور لكنها تنتظر من يدفع بها إلى سدة التفوق و الامتياز .
🔸هكذا حدث ما كنت أتوقع فبعد أن انطلقت الدراجات معانقة الريح تحمل تلك الأجساد الصغيرة كان محمد يجاهد للحصول على المركز الأول فحصل عليه .
وصل المتسابقون إلى نقطة النهاية القريبة من البرزة التي كان الكبار يتحلقون فيها حول صحون التمر و أعلنت لجنة التحكيم فوز محمد في السباق و سمع أبو محمد اسم ولده يتردد بأنه الفائز فسر بذلك و نادى ولده قائلا : تعال لتُغَنِّمَ القهوة على أعمامك كفاك لعبا فقد لعبت و فزت و الحمد لله .
🔺أمسك محمد بالمدلاة و الفناجين و بقي قريبا من أبيه يستمع الحديث الذي يدور بين الجالسين في البرزة ، و كان الحديث وقتها عن معرض الكتاب القادم و الكتب الجديدة التي ستعرض لأول مرة و دور النشر و غير ذلك مما يتعلق بالمعرض .
🔹قال خالد : ليست العبرة بشراء الكتب لكن العبرة في قراءة هذه الكتب .
أردف خالد قائلا : لكني سأخبركم بقصة حدثت معي ستعرفون منها كيف يكون تقدير الكتاب و كيف تنشأ العلاقة بين الكتاب و القراء .
🔺شنف محمد أذنيه ليستمع للحديث العذب حديث الكتاب و حديث الثقافة و محمد تستهويه مثل هذه الأحاديث و يتمنى أن يسمع أبوه هذا الحديث لعله يغير شيئا من نمط حياته .
🔸قال خالد : زارني في بيتي أحد أصدقائي و كان يصطحب معه اثنين من أبنائه الصغار و عندما دخل المجلس و استقر بهم الجلوس أقبل ابناه على مكتبة المجلس فتناولا كتابين منها و غرقا في القراءة و كنت أنا و صاحبي نتحدث على زاوية .
🔹يقول خالد : ما شهدت مثل هذا المشهد من قبل و أكبرت في الولدين فعلهما و اهتمامهما بالقراءة لكن مع هذا قلت ربما أن هذا لن يطول سيملا بعد هنيهة و سيتركان الكتاب .
قال خالد : دخلت داخل البيت لإحضار القهوة و لما عدت وجدت صاحبي قد انجذب لما عليه ابناءه فقد وجدته هو الآخر ممسكا بكتاب يقرأ فيه .
🔸هززت رأسي و قلت : آه انطبق المثل ( الوريقة من الشجيرة ) لكن عليك أن تنتظر يا خالد لا تحكم من واقعة واحدة فلربما هذه حادثة حال فقط ، و بعد مدة من الزمن ليست بالبعيدة دعاني هو لمنزله لأمر بيننا فذهبت إليه و استقبلني الأولاد عند الباب ثم جاء الأب و دخلنا و إذا بالموقف يتكرر فعلمت عندها أن هذه الأسرة متعلقة بالكتاب .
سألت الأب عن تجربته فأخبرني أنه يقرأ ما لا يقل عن أربع ساعات يوميا و أن أبناءه لهم ساعات دون ذلك لكنهم لا يصبرون عن الكتاب .
🔺عندما كان خالد يقص علينا قصة الرجل و أبناءه كنت أنا أتابع الطفل محمد فرأيت منه أمرا عجبا كان الطبيعي أن يتابع محمد الحديث مع خالد بالنظر إليه لكنه كان يحدق في عيني أبيه بنظرة مليئة بالاستعطاف و المحاسبة في آن، وقد كنت أسترق النظر لمتابعة حديث العيون بين محمد و أبيه كانت عيناه تقولان : و أنت يا أبي ما دورك معي ؟ لماذا لا تكون قدوتي في حب القراءة ؟
ما كانت عينا الأب لتستطيع أن تنطق ببنت شفه إلا أني رأيتهما و قد ترقرقتا من شدة وطئ محاسبة الولد ، و ربما أن حديث خالد أثار بواعث الندم عند أبي محمد على ما فرط في حق ولده فاختلطت الأحاسيس معه حتى سالت دموعه .
🔷ليت شعري متى سيدرك الآباء أهمية الكتاب ؟ ليت شعري متى سنشعر بهذا الحق العظيم لأبنائنا علينا حق تربيتهم على حب القراءة و الشغف بها ؟ متى سنُخْرج تربيتنا من بوتقة الفردية إلى فضاء العالمية فنسعى إلى تربيتهم لأجل بناء الأمة لا لأجل أن يحصلوا على شهادة يحصل بها على وظيفة فقط ؟ و متى سنعلم أن السبيل الأوحد لذلك هو العلم بمعناه الحقيقي و أن الطريق إلى العلم هي القراءة ؟
عندما نسمع عن الشعوب و الأمم المتقدمة اليوم تبهرنا حضارتهم و عندما نبحث عن سبب رقيهم لا نجد جوابا سوى العلم و إذا سألت الغادي و الرائح عن أولى مظاهر انتشار العلم معهم لقالوا لك ازدحام القراء على أبواب المكتبات تماما كما يزدحم الناس عندنا على أبواب المحلات التجارية قبيل شهر رمضان .
☘طاحت القهوة في البرزة و ودع أبو محمد جلساءه و أمسك بيد محمد و انطلقا نحو البيت و وقفت أراقب المشهد الأخير من الحلقة الأولى و قبل أن يصلا إلى سدرة (الدويكيات ) سمعته يقول لابنه : لا بأس يا محمد معرض الكتاب سينطلق الأسبوع القادم إن شاء الله وسنضع ميزانية خاصة و أعدك أننا سنضع خطة خاصة للقراءة هدفها أن نكون أسرة قارئة .
😀تفتحت أسارير محمد و ما استطاع أن يخفي فرحه لدرجة أني سمعت صوت الفرح الذي يصدره الأطفال عادة عند شعورهم بفرحة غامرة .
🔹وصلا المطلاع متجهين إلى البيت فتفاءلت برؤيتهما يصعدان المطلاع و قلت : لتصعدا إلى العلياء يا رعاكما الله .
🌷كتبه سعيد بن عامر بن سيف العيسري
من كتاب ( بني أحبك) قيد التأليف
9 جمادى الأولى ١٤٣٧هـ
١8 من فبراير ٢٠١٦ م
إبراء
إبــــــــــــراء
🔴 محاضرتي القادمة في جامع السلطان قابوس بإبراء ( أطفالنا يقرؤون ) استراتيجيات بناء الطفل القارئ
يوم الخميس
١٦ من جمادى الأولى ١٤٣٧ هج
٢٥ من فبراير ٢٠١٦ م
بإذن الله