السبت، 23 مايو 2020

صوت صفير البابو
في كل صباح بعد صلاة الفجر في مسجد الخويلية و بعد ختام حلقات القرآن تسبقني أذناي ألى خارج المسجد و كأنهما تستحثاني للخروج لحضور الموعد المرتقب .
خرجت الآن من المسجد فوجدت البابو قد حضر قبلي فهو أكثر التزاما مني بالمواعيد إذ لا يكاد يخلف موعدا واحدا طول العام
سمعت زقزقة البابو المميزة تناديني أن هلم فالبابو يقف غير بعيد على أغصان سدرة الدويكيات جارة المسجد .
بدأ اللقاء بيني و بينه اتخذ هو الغصن الأعلى من أغصان السدرة حتى يسمعني صوته الأخاذ و كي يمكنني من رؤيته و جلست أنا على درج مسجد الخويلية فتقابلنا وجها لوجه فتناشدنا عن العلوم و الأخبار و أبدى ارتياحه من دخول الصيف خلافا ما عليه الناس فتعجبت من  هذا الأمر فقال لا تعجب فالصيف بالنسبة لنا موسم الحصاد لكثير من الثمار فالنخل يثمر صيفا و أنا أنعم بالتنقل بين النخيل الباسقات أتفيأ ظلالها و أتلذذ برطبها و العنب يثمر صيفا و الغشمر ذي السنابل يزرعه الزارعون صيفا و أظن منظري و أنا أقف على سنبلة الغشمر لا يكاد يفارق مخيلتك .
قلت : صدقت و الله .
لكن سررتها في نفسي تلك النية التي كنت أبيتها و لم أبدها له عندما كان تفقي لا يفارق كتفي .
مكث البابو برهة من الزمن على غصن سدرة الدويكيات ثم أنهى حديثه معي قبل أن تشبع نفسي ثم انطلق يصفق بجناحيه و يطلق تغريداته التي تأخذ اللب و تسكر العقل .
ناديت البابو طالبا منه وقتا إضافيا لكنه أعرض و لم يجبني فعجبت من إعراضه و لم يزل حيرتي إلا ألحان الصفرد الذي كان يتنقل بين جلب القت في البستان .
رأيت البابو يتجه نحو البستان فعرفت أنه في هذه الساعة على موعد مع الصفرد فبقيت أرقبه من بعيد حتى وصل و ألقى سلامه على الصفرد و رد الصفرد عليه التحية ثم دار بينهما حديثا خاصا لم أسمع منه شيئا  و بينهما كانت بعيدة و حديث خاصا لم يطّلع عليه أحد .
سحبت أقدامي و ذهبت إلى بيتي لأغلق على نفسي الباب و بدأت أنتظر لقاءنا القادم .
سعيد بن عامر العيسري
٣٠ من جمادى الثانية ١٤٣٦ هج

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2016

التربية على الحرية ( ٣ )

التربية على الحرية ( ٣ )
فكر يحيى في طريقة تعمق معنى الحرية في نفوس أبنائه فدله عقله على طريقة سارع في تنفيذها قبل أن يفلت منه زمام الفكرة فذهب إلى المطبعة الرقمية سلمهم تصميما أعدته ابنته سعاد ضمنه عبارة : ( الحرية المطلقة للإنسان هي عبوديته المطلقة لربه ) و طلب من موظف المطبعة أن يكتبها في لوحة كبيرة بمقاس ٢ م * ١.٥ م .
وصل يحيى إلى بيته و جمع بنيه و قال لهم اليوم سندشن لوحة الحرية في بيتنا فاجتمعوا و أعدوا لها حفل تدشين .
اجتمع الأولاد و خططوا لحفلهم و علقوا لوحتهم ثم قام الأب ليلقي كلمته فقال :
أنا لن أطيل حديثي معكم يا أبنائي فالبلاغة الإيجاز ، و لهذا وضعت لكم لوحة الحرية في البيت و كتبنا فيها هذه العبارة القصيرة ( الحرية المطلقة للإنسان هي عبوديته المطلقة لربه ) .
يا أبنائي لكم الحرية المطلقة في البيت و لكم الحرية المطلقة في المسجد و في المدرسة و في الشارع و في كل مكان ، فأنتم أحرارا لا يقيدكم قيد و لا يحدكم حد في كل تصرفاتكم في هذه الحياة إلا قيدا واحدا و حدا واحدا فقط و هي عبوديتكم لربكم سبحانه و تعالى .
يا أبنائي إن استشعرتم حق الاستشعار لذة عبوديتكم لله و لذة سجودكم بين يديه ستشعرون بالحرية المطلقة في هذه الحياة أتدرون لماذا ؟
لأن الله تعالى هو المتصرف الوحيد في قلوبنا و أنفسنا و أجسادنا و حياتنا و حياة الخلق جميعا بل و الوجود كله لأنه هو الخالق الوحيد للمخلوقات جميعا. 
إذا هو الذي يضع قوانين الحياة و هو الذي يقدر لعباده ما يسعدهم و ما يضرهم ؛ لذلك يشعر من يطيعه بالحرية من العبودية للمخلوقات و يشعر معها بالعزة. 
خاطب يحيى أبناءه قائلا لهم : هل عرفتم طريق حريتكم و سبب عزتكم ؟ قالوا : نعم. 
قال الأب : إذا الزموا هذا الطريق و لا تحيدوا عنه أبدا. 
كتبه : سعيد بن عامر بن سيف العيسري. 
٢٣ من محرم ١٤٣٨ هج. 
إبراء.

التربية على الحرية ( ٢ )

التربية على الحرية ( ٢ )
كنت متكئا يوما على الجدار الشرقي لمسجد الخويلية أكتب على شاشة هاتفي الأيفون فمر بي حمود فسألني :  عن أي شيء تكتب ؟ 
قلت له : سألقي عليك ما كتبت فأنصت إلي . 
فجلس و أقبل علي منصتا وبدأت قراءة ما كتبت قائلا :
          قرأت مرة مقولة حكيم أعجبتني قال فيها :( لن تشعر الشجرة بحرية أكبر حين تنعتق من رق التراب ) .
متى يمارس الأولاد دور الشجرة الراغبة في الانعتاق من رق التراب ؟ يظهر هذا جليا في سن مبكرة عند الطفل فهو لا يؤمن بالقيود في كل شيء ،  يريد أن ينام ساعة يشاء و يستيقظ ساعة يشاء ، و يريد أن يأكل ما يريد و متى يريد بلا قيد في وقت و لا نوع و لا كم ، و يريد أن يخرج من البيت مع أي خارج ترغب نفسه في مرافقته و في أي وقت و لا يريد أن يحد بمواقيت العودة للمنزل أومدة المكث خارج البيت ، و يريد التصرف في كل شيء بكامل حريته بلا قيد و لا شرط .
ما هو الموقف الذي تقفه من طفلك هذا ؟ هل أنت ممن يؤمنون بمبدأ الحرية فيذهب بك إيمانك العميق بالحرية إلى أن تلبي لطفلك كامل رغباته ؟ أم أنك ممن يضعفون أمام طلبات أطفالهم و لا تحب أن ترد أطفالك فتتحجج أنهم لا يزالون صغارا فتتركه وما يهوى ؟ أم أن سيد البيت لا ينبغي لأحد أن يشق عصى طاعته و يسير على غير أمره ، كما ينبغي دوما للسان حاله أن يقول لأهل البيت ( ما أريكم إلا ما أرى و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) ؟
إن هذا الحال وهذا لا ينبغي أن يكون بل ينبغي أن ترسخ الحرية بمعانيها السامية في نفوس أطفالنا و أن ننشئهم وفق قواعدها المتينة من مثل ( لا إفراط و لا تفريط ) التي ذكرناها في الحلقة الماضية و من مثل ( حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين ) و غيرها من المعاني الجميلة  .
 
بعد ما أنهيت قرائتي تنفس حمود الصُّعداء و قال : كلام جميل و لكن صعوبته في تنفيذه أي في ترسيخ هذه المعاني التي تقولها في نفس الطفل و السؤال بكيف هو مربط الفرس في كل فكرة تطرح .

قلت لحمود : سأخبرك بتجربة صديقي إبراهيم مع ابنه عبدالله عندما أراد أن يعرفه حدود الحرية و أن الخروج عن الحدود يضر بالشخص نفسه قبل غيره منطلقا من مقولة هذا الحكيم  .
قال حمود : هاتها فكلي لك آذان صاغية. 
قلت : عندما كبر عبدالله بن إبراهيم قليلا و أصبح مميزا يفهم ما يريده أبوه أخذ أبوه بيده نحو الضاحية و وقفا أمام شجيرة في الضاحية تسمى شجرة ( اللوبيا ) فطلب إبراهيم من ولده أن يصف الشجرة فقال الولد :
خضراء
مثمرة
نَضِرة
قال الوالد : جميل جدا صف لي حركتها .
قال عبدالله :
تحرك أغصانها الرياح يمنة و يسرك و تتحرك إلى الأعلى عند نموها و تحرك جذورها للأسفل بحثا عن الماء لكنها مقيدة لا تستطيع التنقل و لا يمكنها أن تتحرك كما نتحرك نحن أو يتحرك الحيوان. 
قال الوالد لابنه : لو افترضنا أن شجرة اللوبيا ضاقت ذرعا من هذا القيد الذي يسببه لها التراب فقررت التخلص منه و نيل الحرية المطلقة قائلة : إلى متى سأبقى مقيدة لا بد أن أتحرر من كل القيود و أولها هذا الطين الذي يمسك بي ليل نهار. 
أخذ الوالد بشجرة اللوبيا و خلصها من رق الطين و أمسكها بيده و قال لولده : هكذا أصبحت شجرة اللوبيا حرة طليقة لا يتحكم فيها أحد .
سنتركها تعيش حياتها الجديدة و تتمتع بحريتها الكاملة و سنزورها غدا لنرى ماذا صنعت مع حياة الحرية المطلقة. 
عاد الأب مع ابنه بعد يومين إلى الضاحية لزيارة شجرة اللوبيا و كان عبدالله يخُبُّ بين يدي والده متلهفا لرؤية شجرة اللوبيا و لما وصل إليها دهش إذ وجدها ميتة متهشمة أوراقها و سيقانها يابسة جذورها .
هنا بادر إبراهيم ابنه عبدالله بالتعليق على المشهد قائلا : أرأيت يا عبدالله ماذا فعلت الحرية المطلقة - التي لا تعترف بأي قيد - بشجرة اللوبيا ؟ لو أنها بقيت على القيد الحاصل من التراب هل كانت ستموت ؟ 
هكذا الإنسان يا عبدالله لو تخلص من كل القيود و طلب الحرية التي لا تعترف بقيد الدين و لا قيد القانون و لا قيد الأعراف و لا قيد الأخلاق سيموت  كما ماتت شجرة اللوبيا و إن كان يتحرك لأنه سيتعرض للمشكلات و يكرهه الناس و ربما يدخل السجن فيفقد كامل حريته التي سعى للحصول عليها و قد يفقد دينه إذا سعى للتخلص من قيود الأحكام الشرعية فيدخل النار و العياذ بالله. 
صمت عبدالله برهة و هو ينظر لشجرة اللوبيا ثم أمسكها بيديه ففتتها فأصبحت هشيما تذروها الرياح ثم غادر الضاحية مع أبيه و قد تلقى درسا في الحرية لن ينساه ما حيي .
كتبها : سعيد بن عامر بن سيف العيسري
إبراء - في الثلاثين المتمم لشهر ذي الحجة ١٤٣٧ هج.

التربية على الحرية ( ١ )

التربية على الحرية
فرق بين أن نقول التربية بحرية و أن نقول التربية على الحرية ، فالأولى تخص المربي ، و الثانية تخص الولد ، و كلا المصطلحين له وجه إيجابي و آخر سلبي في أثره التربوي على الولد. 
حديثنا سنقصره بإذن الله على التربية على الحرية فهلم إلي .
ماذا نقصد بالحرية ؟ 
الحرية لها معانٍ كثيرة من أبسطها : القدرة على اتخاذ و تنفيذ القرارات في أي مجال من مجالات الحياة. 
فاطمة طفلة عمرها خمس سنوات اشترت لها أمها خمسة فساتين فهي توافق على لبس أربعة منها و ترفض لبس الخامس كلما جاء دوره. 
ترى كيف تتصرف الأم حيال فاطمة عندما ترفض لبس فستانها ؟ 
في غالب الأحوال تقول الأم مخاطبة ابنتها :
- بكم اشتريته لك ؟
- خسارة الفستان فيك .              
- ماذا أفعل بهذه البنت ( مسويه راس ) ؟                                            و تتوالى العبارات الرافضة لقرارات الطفلة و يستمر الصراع حتى يتم إعلان الفائز.                     ترى هل هذه الحادثة و أمثالها تتكرر في بيوتنا ؟                             تعال نحلل موقف فاطمة : 
 • ما سبب رفضها للفستان ؟ 
     إما أنها لا تحب لونه أو أنها يضايقها لبسه بسبب مقاسه الضيق أو أنه لم يرق لها شكله أو غير ذلك من الأسباب. 
* هل هذه الأسباب مقنعة تسوِّغ لها تركه و رفض لبسه ؟ 
* إذا أرغمتها أمها على لبسه بحجة الخسارة أو بحجة ( عن يكبر راسها )  فهل يسوغ لها ذلك ؟
* إن سرى قرار فاطمة ما هي النتائج الإيجابية المترتبة على تنفيذها لقرارها و ما هي النتائج السلبية على هذا القرار ؟          
* إن سرى قرار الأ م ما هي النتائج الإيجابية المترتبة على تنفيذ القرار  و ما هي النتائج السلبية  إن كانت هناك نتائج سلبية ؟          لا شك أن قاعدة ( و الصلح خير ) تنطبق على ممارساتنا التربوية إن أردنا حصول الخير لنا و لأبنائنا و السبب في ذلك :
* أن الصلح وسط بين الرأيين فنحن هنا فيما يتعلق بالتربية لا نتحدث عن صلح بين خصمين و لكنه صلح بين قرارين أو رأيين أو موقفين . 
* أن الصلح يحفظ للوالد هيبته و يحفظ للولد حريته.                         وعندما نتحدث عن الصلح نقصد به الإقناع بدلا من القهر فمثلا في قصة فاطمة تعرض أمها عليها حلا وسطا كأن تقول لها : أنا أوافق ألا تلبسي هذا الفستان اليوم و لكن عليك أن تلبسيه لاحقا ، و في الغالب ستوافق البنت على ذلك لأن تفكير الأطفال عادة لا يتعدى اللحظة التي هم فيها ، ثم تحدد الأم موعدا للبسه كأن يكون في مناسبة قريبة تحددها الأم لابنتها و تذكرها بالاتفاق كلما قربت المناسبة.                                       في بعض الأحيان التي تتوقع أن يرفض الأولاد أمرا تأمرهم به و أنت تريد لهم ذلك الأمر و في نفس الوقت تريد تربيتهم على مبدأ الحرية عليك أن تعطي الأولاد خيارات متقاربة يختار الولد منها خيارا بمحض حريته و ينفذ أمرك و يتحقق هدفك في تربيته و لنضرب لذلك مثالا :          نادى سعود في أولاده الذين يشاهدون التلفزيون آمرا إياهم بالذهاب للفراش فالساعة تقترب عقاربها من نقطة إعلان وصول الساعة العاشرة موعد نومهم المعتاد( سنذكر طريقتين في تعامل سعود مع هذا الموقف :
* الطريقة الأولى : أمرهم  بإغلاق المرناة ( التلفزيون ) كأن يقول لهم : بعد الساعة العاشرة لا أريد أن ارى أحدا في الدهليز أمام الشاشة. 
* الطريقة الثانية : يخيرهم بين وقتين كأن يقول : الآن الساعة العاشرة إلا ثلثا بقي عن موعد نومكم عشرون دقيقة فهل ستذهبون لفُرُشكم بعد خمس دقائق أم بعد عشر دقائق ما الذي تختارونه  ؟                           سنجد في هاتين الطريقتين محصلة ظاهرية واحدة و هي ذهاب الأولاد إلى فرشهم ليناموا لكن النتائج غير اللحظية و غير المرئية تختلف اختلافا شاسعا ، فالطريقة الأولى لا تفسح المجال للأولاد للاختيار فالأمر واحد محدود و عليهم التنفيذ ، بالتالي لا حرية في اتخاذ قرار و لا حرية في الطريقة ، بينما الاخرى ظهر مبدأ الحرية جليا في أسلوب العرض.                                            الكثير من مواقفنا مع أولادنا تتيح لنا تربيتهم على مبادئ الحرية دون أن تنقص من احترامهم لنا أو هيبتنا معهم و تزيد من حبهم و تعلقهم بِنَا هذا مع اعتمادنا على مبدأ ( لا إفراط و لا تفريط ) الذي سنتحدث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله.                               

* سعيد بن عامر بن سيف العيسري.                                     إبراء                                       الأحد ٢٣ من ذي الحجة ١٤٣٧هج.

الشايب و العجوز

☘الشايب و العجوز

المشهد تحت السوقمة تلك الشجرة الضاربة في أعماق التاريخ و اليوم تشهد على حديث الوالد سعيد مع بني قريته من الشباب و الكهول الذين تحلقوا حوله يتبادلون أطراف الحديث. 
الوالد سعيد قارب عقده السابع أن ينفلت أما الذين من حوله فلا يزال معظمهم في زَمرة الشباب و بعضهم  في مراحله الأخيرة لكنهم يتمتعون بالقوة و الفتوة. 
قال غالب لجلسائه : اليوم حدثت لي قصة أضحكتني فاستمعوا لها و أنصتوا لعلكم تضحكون. 
أصاخ الجميع أسماعهم و حبسوا أنفاسهم و حدقوا غالب بأعينهم انتظارا للقصة المضحكة فقال غالب :
مررت اليوم على شايب في السوق اشترى بضاعة من البقالة بثلاثة ريالات و أعطى البائع ريالا واحدا و قال للبائع هذه خمسة ريالات خذ حقك منها ، ولما نظر البائع للنقد وجده ريالا و ليس خمسة ريالات ، فقال للشايب هذا ريال و ليس خمسة .
قال الشايب : بل هي خمسة .
حاولنا إقناع الشايب أنها خمسة و لم يقتنع و بكل الطرق و لم يقتنع حتى طلبنا منه إخراج المحفظة و أخرجنا له منها ورقة الخمسة ريالات و اقتنع بعد عناء. 
ضحك جلساء غالب إلا الشايب سعيد لم يضحك بل ابتسم ابتسامة ساخرة ما انتبه لها إلا سيف الذي يرقب ردة فعل عمه الشايب سعيد الذي كان لسان حاله يقول : هل تضحكون على الموقف الذي حصل أم على شيبة الشايب التي أثرت في نظره و تفكيره و إدراكه ؟ 
لم ينتبه الحاضرون بل واصلوا ضحكهم و علق أحدهم على الموقف قائلا : هكذا هم الشياب ( ما شي عقل عاد ) .
قال غالب : حتى العجائز ما أقل كنت في يوم من الأيام في المستشفى ......
قبل أن يكمل غالب قصته الثانية نهض الشايب سعيد و قال بلهجة عمانية : أنا أترخص .
قفل الوالد سعيد راجعا إلى بيته و في نفسه ألم لما سمع و رأى .
قال سيف لجلسائه : هل تعلمون سبب مغادرة الوالد سعيد مجلسكم ؟ قال أحدهم : ربما ذهب ليستريح في بيته .
قال سيف : نعم ذهب ليستريح في بيته لكن أتدرون من أي شيء يستريح ؟
قالوا : لا ، من أي شيء ؟
قال : من همزكم و لمزكم .
دحر الجميع عيونهم و صرخوا بفم واحد : همزنا و لمزنا ؟؟ متى و كيف ؟ نحن نجله و نعزه. 
قال سيف  : عذرا إخوتي لقد استمرأتم كما استمرأ أكثر الشباب اليوم الحديث عن كبار السن و التنقيص من شأنهم و انتقاد تصرفاتهم و همزهم و لمزهم فلا يكاد يخلو مجلس من حكاية تبدأ بعبارة ( واحد شايب ) و ( وحدة عجوز ) ثم تلي الحكاية القهقهات و السخرية من الشايب و العجوز بل أن هذا يحدث حتى من الولد أمام أبيه أو أمام أمه تماما كالذي حدث منكم اليوم أمام العم سعيد ، هل تظنون أن الضحك و التندر على شايب آخر لم يؤثر فيه ؟ خاصة و أنكم - كما يفعل جميع الشباب - أتبعتم حكايتكم بتعميم مفاده أن هذا حال الشياب أو يقول البعض : ( تراه شايب إيش نسوي به ) و يقول آخرون ( حرمه عجوز إيش تترجاه تسوي ) نقول هذا و لا نلقي بالا لمشاعر أمهاتنا و آبائنا ، و يغيب عن عقلنا أن هذا صنف من أصناف العقوق .
قال سيف : لنكن شديدي الحذر عندما نتحدث مع كبار السن خوفا من جرح مشاعرهم ، فهم يتمنون التحدث مع من حولهم لكن إن كان مثل حديث اليوم فالصمت أفضل منه. 
ندم غالب على ذكره للقصة و ندم الباقون على ضحكهم و قالوا ليتنا فقهنا هذا من قبل و ما أسأنا إلى آبائنا و أمهاتنا .
قال سيف : إذا لنتعلم من هذا الموقف هذا الدرس و لنتذكر أن من يمن الله عليه بطول العمر سيكون شايبا و أنه يحب أن يسعده أبناؤه و من حوله بحديثهم و لا يسخروا منه .

☘ كتبه : سعيد بن عامر بن سيف العيسري. 
الثلاثاء ٢٣ من محرم الحرام ١٤٣٨هج. 
إبراء.

السبت، 11 يونيو 2016

التنافس في ميزان القرآن

☘هل التنافس مشروع ؟ و هل هو نافع للإنسان أم ضار في مجمله كما يدعي البعض ؟

🔸إذا رجعنا إلى القرآن فالله تعالى يقول : ( خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون ) أشعل روح التنافس بين المؤمنين ، و جعل الميدان فسيحا. 
لكنه لم يترك الميدان دون ضابط خوفا من التحاسد بل قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) فجعل الأخوة مضمارا آخر للتنافس ؛ فكلما قدم المسلم لأخيه المسلم شيئا كان له به أجر عند الله ، و إذا استصحب المسلم هذا المعنى و هو ينافس إخوانه على فعل الخير لكثر الخير بينهم لأنهم سيتنافسون على الأخوة نفسها أي على إظهارها في أبهى معانيها. 
سنضرب لذلك مثالا : مجموعة من الطلاب على أبواب الاختبارات. 
هنا سيحصل أمر من أمرين أو حالة من حالتين إما أن يتنافس الطلاب تنافسا يشوبه التحاسد أي بقاعدة ( أنا أكسب أنت تخسر ) أو يتنافس الطالب تنافسا يلفه التعاون أي بقاعدة ( أنا أكسب أنت تكسب ) و لو رجعنا إلى نتيجة الحالتين لوجدنا فرقا سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع ، و لا بأس أن نقف على بعض من نتائج التنافس في صورة الحالة الثانية فهي التي نسعى لوجودها في مجتمعاتنا :
*  التنافس يشعل جذوة النشاط في نفس الفرد : فهو يتأثر بالمحيط الذي حوله فإذا وجدهم يتسابقون على تحقيق أهدافهم لا شك أن ذلك سينعكس على حماسته إيجابيا، و يؤدي به إلى دخول المضمار. 
* التنافس يؤدي إلى التكامل بين أفراد المجتمع : فكل فرد يظهر ما عنده من قدرات و طاقات ليسهم بها في نشاط المجموعة ليحقق بإسهامه هذا مبدأ الأخوة ، و بالتالي سنجد أن ما يقصر مع هذا يكمله هذا ، و العكس و هنا يحدث التكامل ، و يزداد الإنتاج. 
* التنافس يفتح الآفاق لمجالات جديدة للفرد و المجتمع : فإذا تفوق فرد من مجموعة في مجال ما سينافسه الآخرون عليه ، و سينتقلون بذلك إلى مرحلة الإجادة في ذلك الأمر ، و سيفكرون في مجالات جديدة ينافسون فيها ربما لم تكن موجودة من قبل. 
* التنافس يؤدي إلى الإتقان : فلا مجال لغير المتقن في ميدان التنافس فمن أراد أن يدخل ضمن ( وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون ) فعليه أولا أن يعمل وفق مبدأ ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ). 
* التنافس يزيد أجر المسلم الدنيوي ، و الأخروي : أما الدنيوي فيساعده في رفعه إتقانه الذي اتصف به عمله ، و دفعه إليه تنافسه مع الآخرين ، و أما الأخروي فيزداد من حرصه على مبدأ ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) و يزداد مع تعدد نياته الخيِّرة في التنافس. 
🔹الحاصل أن التنافس مبدأ رصين أقره الله تعالى في كتابه لأعمال الآخرة و هو صالح لأعمال الدنيا كلها ما دامت موجهة لخدمة الآخرة فلا يغرنك حديث من ينهى عن التنافس بحجة أنه يؤدي إلى التباغض بين الناس و ينافي التعاون و ذلك لما قدمنا من الضوابط التي تبقي التعاون و تقويه. 
🔹 كتبه لكم : سعيد بن عامر بن سيف العيسري 
السادس من رمضان ١٤٣٧ هج
مسجد الخويلية بإبراء

الأحد، 29 مايو 2016

كيف نوجه ابناءنا للاستفادة من قصة صاحب الجنتين في اختيار أصدقائه ( الجزء الثاني / ١ ).

☘كيف نوجه ابناءنا للاستفادة من قصة صاحب الجنتين في اختيار أصدقائه ( الجزء الثاني / ١ ). 

🌱وقفاتنا اليوم إن شاء الله ستكون مع الجزء الثاني من قصة صاحب الجنتين و القسم الأول منه. 
🌱سنتأمل مع أبناءنا مواقف الصديق الصالح لصاحب الجنتين لنتعلم منها و نعلم أبناءنا فوائد صحبة الصالحين فتعال معي أيها القارئ الكريم . 

( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا )
🔹 كان هذا الصديق الصالح حريص على صاحبه و على إخراجه من الظلمات إلى النور . 
🌱هنا أوجه ابني إلى صفة الصديق الذي ينبغي له أن يتخذه بأن يكون حريصا على هدايته و نصحه كلما ابتعد عن الحق ، و أوجهه في كيفية التحقق من حرص صاحبه على هدايته و إبعاده عن الضلال ؟
🌱التوجيه يكون بالاستفادة من القصة نفسها فالآيات لم تغفل عن بيان ذلك ؛ فقد جاء فيها :
١ - الصديق الصالح يحفظ الصحبة :
أولُ ذكر لهذا الصديق في القصة جاء بذكر صفة الصحبة ( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ )  فهو يتحرى الهداية لصاحبه لذلك يريد من صاحبه أن يشعر بصدق هذه العلاقة. 
هنا يجب أن نحذر الأبناء و نوجههم في علاقتهم بأهل المنكر بأن تقف عند حد توجيه النصح و إنكار المنكر فقط لا أن تبقى العلاقة طبيعية خوفا من التأثير العكسي من قبل الصديق الضال تجاه الولد. 

🔸الصديق الصالح يبقي الحوار أساسا للتعامل ، و يسمع وجهة النظر الأخرى ، و يحاور بالإقناع ، و الحجة :
فصاحبُ صاحبِ الجنتين استمع إلى حوار صاحبه المتكبر حتى أنهى حديثه كاملا ، و لم يقاطعه ثم أقام عليه الحجة .
هنا ننبه الأبناء تنبيهين مهمين :
١ - التنبيه الأول :
التأسي بالصديق الصالح في الحوار ؛ إذ أنه انطلق في حواره من منطلقات إيمانية فكل حديثه كان تذكيرا بالله و بنعم الله و ما يجب على العبد إزاء نعم الله - و سنفصله في محله إن شاء الله - بينما صاحبه الكافر كان مُنْبَتَّاً عن الإيمان منكرا للنعم ، متكبرا على المنعم لذلك ينبغي للولد أن يبتعد عن التأسي بمثل هذا و لا يغتر بالمال و زهرة الحياة الدنيا. 
٢ -  التنبيه الثاني :
يتعلق بقبول آراء الآخرين فعلى الولد أن يكون حذرا من هذه الدعوة التي يطلقها كثير من الناس اليوم ، فللولد أن يحاور و يناقش و يقيم الحجة ، و يلجأ إلى القرآن و السنة و أقوال العلماء و العقل ، لكن نحذره من أن تعصف به الآراء و يكون ريشة في مهب الريح بحجة احترام الرأي الآخر ؛ فالصديق الصالح هنا لم يقبل رأي صاحب الجنتين مع أنه صديقه لماذا ؟ لأن كلامه كفر بالله و تكبر عليه و خروج عن العقيدة لهاذا ابتدأه بقوله : ( أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) فليس كل كلام البشر يقبل بحجة احترام الرأي الآخر ، نعم من حقه النصح و التوجيه و إنكار المنكر عليه ، لكن ليس من حقه قبول آرائه مهما تكن. 

☘ كتبها لكم : سعيد بن عامر بن سيف العيسري. 
صبيحة الاثنين ٢٣ من شعبان ١٤٣٧هج
إبراء