بني أحبك ( ٢ )
( أساس الحب )
ذكرنا في الجزء الأول أن حب الأبناء فطرة في البشر لكن يختلف الآباء في استراتيجياتهم في التعبير عن هذا الحب .
و إذا رجعنا إلى منهلنا العذب القرآن الكريم لوجدنا آيات عظيمة حكت لنا طرفا من حب الأنبياء لأبنائهم و لعل العلاقة المميزة بين سيدنا إبراهيم عليه السلام و ابنه اسماعيل تمثل صورة فذة لعمق المحبة بين الأب و أبيه حتى أنهما قاما بتشكيل فريق عمل يتكون منهما للقيام بعمل جليل مشترك و له هدف واحد مشترك
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) البقرة[127] .
ترى ما هو مرتكز هذه العلاقة و على أي أساس بنيت حتى وصلت إلى هذه المرحلة المتقدمة من قوة العلاقة ؟
لنعد إلى الآيات الكريمة و نتدبرها لنتبين ما هو الهم الذي يحمله الأنبياء لمستقبل أبنائهم هل يبحثون عن تأمين مستقبلهم المادي أو الوظيفي ؟ أم يبحثون عن تأمين المسكن المناسب لهم ؟ أم الوظيفة أم ما الذي يشغل بالهم في مستقبل أبنائهم ؟ - مع الإيمان بأهمية كل هذا - لكن ما هو الأهم ؟
( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )البقرة[ ١٢٨ ، ١٢٩]
إذا المرتكز الأول لبناء المحبة و قوة العلاقة بين الأب و ابنه هو العقيدة لأنها هي الموجه السليم لبناء هذه المحبة على أسس سليمة و قوية
و لنلحظ أمرا في دعائهما عليهما السلام أنهما طلبا أن يجعلهما ربهما هما أولا( الأبوين )مسلمَيْن له ( ربنا و اجعلنا مسلمين لك ) ثم ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) لماذا ؟ لأن الأبوين إن كانا مسلمين مؤمنين كانا أكثر مراقبة لله في تربية أبنائهما فيرتفع رصيد الحب للأبناء ، و في المقابل كذلك إن كانت الذرية مسلمة لله كانت أكثر مراقبة لله في بر آبائهم فيرضى الآباء عن بنيهم فيرتفع رصيد الحب .
موقف آخر يدل على هذا المعنى ورد ذكره في القرآن الكريم و هو موقف نبي الله يعقوب من ابنه يوسف عليهما السلام إذ فصَّل الله تعالى تفصيلا دقيقا في سورة يوسف في علاقة سيدنا يوسف بأبيه و الحب الذي امتلأ به قلب الأب لولده و العبارات الواردة في آيات السورة الكريمة و الأحداث التي بينتها السورة في قصة سيدنا يوسف تدل على عمق هذا الحب و إذا تلونا الآيات في سورة البقرة عن الاهتمام الأول لسيدنا يعقوب عليه السلام في تربية أبنائه لوجدنا أنها العقيدة كذلك و لهذا كانت النتيجة بهذا القدر من الحب ( وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )
البقرة[ ١٣٢ ، ١٣٣ ]
سعيد بن عامر بن سيف العيسري
٢٥ من ربيع الأول ١٤٣٧هج
٤ / ١ / ٢٠١٦ م
إبراء
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق