🌹بني أحبك ( ١٤ )
التعويد على العمل
🔹كان سلام جالسا مع أسرته في بيتهم الغربي القديم كان الهدوء يخيم على ذلك اللقاء العائلي بل كان الحزن باد على وجه أم سلام و عمته و إخوته فأبوه لم يبلغ عامه الأول منذ رحيله عن الأسرة و انتقاله إلى جوار ربه و كان سلام ينتظر سيارة تقله إلى العاصمة ليقدم أوراق توظيفه في شركة النفط .
🔸سلام وقتها لم يبلغ السادسة عشر من عمره و لما ينهي الصف الثاني الثانوي لكنه وجد نفسه أكبر إخوته و المسؤول عنهم و أنه مقبل على أعباء و مسؤوليات جسام .
🔹كانت أم سلام لما تفق بعد من مصيبة فقدان زوجها و رب أسرتها لهذا كان ترك سلام لدراسته و انتقاله من البلد لم يكن بالأمر الهين على قلبها الرؤوم فبينما تمثل هذه الخطوة حاجة ماسة للأسرة كلها هي في الوقت ذاته بين لفرد من أفراد العائلة لكن القبض على القلوب ضرورة في مثل هذا الحال .
🔸وصلت السيارة و أطلقت بوقها عاليا ( بيب بيب بيب ) قام سلام متثاقلا من جلسته و عيناه قد اغرورقتا من الدموع مع تجلده بينما أمه و عمته قد أسبلتا الدموع غزيرة بينما وقف الصغار يرقبون المشهد بحزن عميق .
🔹عانقت أم سلام و عمته ولدهما و ودعتاه ثم همست أمه في أذنه وصيتها الأخيرة قبل أن يركب السيارة قائلة له : صلاتك و دينك و أخلاقك و تذكر أنك خليفة أبيك .
🔸وصل سلام إلى مقر الشركة هناك التقى بزملائه الجدد و تم توزيعهم على الغرف المخصصة للموظفين الجدد و استلم غرفته مع صاحب له و أخذ مكانه في الغرفة و سريره .
🔹اطمأنت نفس سلام قليلا و بدا له أصحابه الجدد محببين إليه من الوهلة الأولى لكن دموع الوداع لا تزال ترطب عينيه فكان يسترجع بين الفينة و الأخرى ذلك المشهد الحزين .
🔸استلقى سلام على سريره في غرفة الشركة لأول مرة و بدأ يستعيد شريط ذكرياته منذ طفولته الأولى بين أحضان أمه و أبيه مرورا بأحداث المدرسة و المزرعة و السوق و المهام التي كان أبوه يوكلها إليه مرورا بوفاة أبيه و المهام الجسام التي ألقيت على عاتقه و القرار الذي اتخذه بترك الدراسة و بحثه عن العمل إلى أن وصل به الشريط إلى اللحظة التي هو فيها و ما ينتظره في الغد في أول يوم عمل .
🔹قال سلام لنفسه : هل أنا مؤهل فعلا للقيام بهذه المهام أم أنها فوق طاقتي و لن أستطيع تحملها ؟ هل سيغلبني الشوق لأمي و عمتي و إخوتي و أهلي و بلدي أم ستنتصر العزيمة التي غرسها في أبواي منذ صغري ؟ قال سلام لنفسه : لا يا سلام أنت قادر إن شاء الله أبوك ـ رحمه الله ـ هيأك لمثل هذا اليوم .
🔸هل تذكر يا سلام عندما كنت صغيرا و يعطيك أبوك ( جبة ) صغيرة تجمع فيها التمر المتساقط من نخيل العقيب ؟ و هل تذكر عندما كان يردفك خلفه في الحمار لتذهبا معا لمزرعتكم و يكلفك ببعض الأعمال الصغيرة ؟ و هل تذكر مرافقتك له في السوق و مساعدته في البيع في الدكان ؟ هل تذكر عندما كان يدربك على صفقات البيع و الشراء بذلك التمر الذي تجمعه من مزرعتكم ؟ هل تذكر يا سلام عندما كان أبوك يكلفك برد الفلج من ( صوار العلا ) و أنت لما تزل ابن الثانية عشر أو أقل من ذلك ؟ هل تذكر ذلك العرق الذي كان يتصبب منك و أنت تعمل في المزرعة و أبوك يشجعك و يحفزك ؟ هل تذكر الكلمات الرنانة التي كانت أمك تطلقها تشجيعا لك و تحفيزا عندما تذهب إلى المزرعة أو إلى السوق مع أبيك ؟
☘يا سلام لمثل هذا اليوم كان أبواك يعداك ، لهذا أنت مملوء بالطموح ، و لهذا أنت قادر على النظر إلى المستقبل بمنظار الأمل .
🔹انطلق سلام في رحلة العمل بكل همة و نشاط و كان يضع نصب عينيه أن غاية سرور أمه هو نجاحه في العمل و أن سعادة الصغار لا توصف عندما يصل إليهم محملا بالحلوى و البسكويت و أن مستقبلهم أمانة في عنقه عاهد ربه أن يتحملها .
🔸كبر سلام و أخلص في عمله و تميز و ابتعثته الشركة للدراسة في الخارج فنافس زملاءه و تفوق ثم بعثته ثانية فنال الحسنيين العلم و العمل و كان خير أب لأخوته بعد وفاة أبيه .
🔹في يوم من أيام حياة سلام مع أولاده قال لهم : يا أبنائي كما أرضعتني أمي حب العمل و حنكني به أبي أريدكم أن تكونوا كذلك نحن نشأنا في بيئة تقدس العمل و تنبذ العجز و الكسل لهذا كان لزاما علي أن تنشؤوا هذه النشأة بارك الله فيكم .
سلام لا يزال يستمد الحكمة في تربية أبنائه من تلك التجارب و الأحداث التي عاشها في طفولته و كلما طاف عليه طيفها انطلق لسانه مرددا : رب اغفر لي و لوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .
☘ كتبه : سعيد بن عامر بن سيف العيسري
من كتاب : (بني أحبك ) قيد التأليف
يوم الجمعة ١٦ من جمادى الآخرة ١٤٣٧هج .