☘سبع إشارات تربوية من قصة ذي القرنين مع أصحاب السد
🔹التربية لا تكون للصغار وحدهم بل يمكن أن يكون القائد مربيا لتابعيه فهو يوجههم و يعلمهم و يزكي أخلاقهم و يساعدهم على تحقيق أهدافهم و التربية لا تنفك عن هذه الأمور و هذا بالضبط ما قام به ذو القرنين مع أصحاب السد .
🔹نحاول استنباط بعض الإشارات التربوية من أحداث هذه القصة التربوية العظيمة التي كانت نتيجتها تحقيق هدف من أعظم الأهداف و هو بناء السد الذي خلد القرآن الكريم ذكره كما خلد ذكر ذي القرنين و أتباعه الذين ساعدوه في بنائه ، و مع أنه جاب مشارق الأرض و مغاربها و التقى بأقوام عند بلوغه مغرب الشمس و عند بلوغه مشرقها لكن الله تعالى لم يذكر لنا عن أولئك الأقوام و عن قصة ذي القرنين معهم إلا بإيجاز شديد بينما فصل في الحديث عن قصته مع أصحاب السد .
🎈تعال معي أخي القارئ الكريم نتفيأ ظلال الآيات التي تحدثت عن قصة ذي القرنين مع أصحاب السد و نستقي من معينها الصافي دروسا تربوية مع أنها ـ أي الآيات ـ يمكن أن يستقي الإداري منها دروسا إدارية و المهندس المعماري دروسا هندسية لكننا لن نخوض في غير مجالنا و سنقصر حديثنا على دروسها التربوية :
🎈الإشارة الأولى : قبول الطفل كما هو : أي كما تقول العامة بعلاته و القبول يعني الثقة التامة في الطفل أنه قادر على الإنجاز و العطاء فالله تعالى وصف القوم الذين التقى بهم ذو القرنين بوصف لو وقع في نفس الكثير من الآباء على أولادهم ليأس من حال ولده فالله تعالى قال عنهم : ( حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ) فهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ما يقال لهم و مع هذا قبل ذو القرنين التعامل معهم و لم تثنه العلة التي فيهم ـ مع شدتها ـ عن تحقيق ما أراد معهم بل اندفع معهم بقوة ، و نحن نرى بعض الآباء ييأس لمجرد ضعف ابنه الدراسي أو لتأخره في مهارة من المهارات حتى مع بدايات سنه الأولى كتأخره في النطق أو تأخره في المشي أو غير ذلك من المهارات عندما يتقدم سنه قليلا .
🎈الإشارة الثانية : الحب غير المشروط :
و تندرج تحت الحب غير المشروط التربية غير المشروطة أي التي لا تريد عليها مقابلا ـ من غير الله تعالى ـ فذو القرنين عرض عليه أصحاب السد أن يجعلوا له أجرا مقابل إقامة السد لكنه رفض هذا الشرط فما سيقدمه لهم يقدمه لله دون أن يشترط لنفسه شيئا لذلك قال لهم : ( ما مكني فيه ربي خير ) فالمربي أيا كان هذا المربي ـ والد أم معلم ـ لا ينبغي أن تكون تربيته مشروطة بمقابل و على قدر المقابل تكون التربية و ليردد دائما ( ما مكني فيه ربي خير ) كلما حدثته نفسه عن المقابل الذي سيجنيه من جراء تعبه و نصبه فكلما كان أخلاصنا لله أقوى كانت نتائج تربيتنا أعظم .
🎈الإشارة الثالثة : النظر إلى الجانب المشرق :
في الولد و عدم التركيز على القصور و الضعف فذو القرنين وجد القوم ( لا يكادون يفقهون قولا ) و العمل المطلوب عظيم ( أن تجعل بيننا و بينهم سدا ) فهل من لا يكاد يفقه قولا يستطيع أن يقيم سدا عظيما يمنع قوما جبارين من الفساد ؟
أنظر إلى الجهة التي نظر إليها ذو القرنين في هؤلاء القوم .. حول النظرة 180 درجة من ( لا يكادون يفقهون قولا ) إلى ( أعينوني بقوة ) نظر إلى القوة التي يملكونها و القدرات التي وهبوا إياها و الإمكانات التي يتمتعون بها فثمرها لينجزوا بها عملا و يحققوا بها هدفهم .
🎈الإشارة الرابعة : الأخذ بأساليب التربية و وسائلها :
امتن الله تعالى على ذي القرنين أن مكن له في الأرض كما قال سبحانه : ( إنا مكنا له في الأرض و آتيناه من كل شيء سببا ) و امتن عليه منة أخرى أن وفقه للأخذ بالأسباب أي باتباع الأساليب و استخدام الوسائل التي تحقق التمكين لذلك قال عنه : ( فأتبع سببا ) أي أنه عرف الأساليب فاتبعها و عرف الوسائل فاستخدمها .
🎈الإشارة الخامسة : التربية على الاعتماد على النفس و الثقة بها : فعندما طلب القوم منه بناء السد
وقالوا : ( فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا و بنهم سدا ) لم يجبهم بالموافقة على حسب مطلبهم أي أن يقوم هو بكل العمل و يهيء لهم السد جاهزا رفض الطريقة و قال : (فأعينوني بقوة ) فالدور الأساس لكم فأنتم أهل قوة و إنما قال أعينوني ليدربهم على الاعتماد على أنفسهم ) و ذكر لهم القوة ليزرع فيهم الثقة بأنفسهم ، ثم بين لهم أن نتيجة ذلك تحقق الهدف الذي أرادوه و هو بناء السد (أجعل بينكم و بينهم ردما ) و الإشارة التربوية المهمة هنا ذكره لدورهم قبل دوره و في هذا دلالة على أهمية الدور الذي يمارسه الطالب ( التعلم ) و جعل المحورية له أما المعلم ـ أو المربي بصفة عامة ـ فدوره التخطيط لهذه العملية و التوجيه أثناء القيام بها و هذا ملاحظ في دور ذي القرنين فقد كان يوجه أولئك القوم مرحلة بعد مرحلة فوجههم أولا بقوله لهم : ( آتوني زبر الحديد ) ثم وجههم قائلا : ( انفخوا ) ثم:( آتوني أفرغ عليه قطرا ) إذا مراحل عمل واضحة مخططة و معلومة الهدف كما أن كل فرد له دور معلوم .
🎈الإشارة السادسة : الثقة بقدرات الأبناء مهما كانت بسيطة :
و هذا واضح من أول لقاء ذي القرنين بأصحاب السد عندما قال لهم : ( أعينوني بقوة ) مع علمه بأنهم لا يكادون يفقهون قولا ، و لكن النتيجة التي حصل عليها من تفعيل دور هؤلاء و استغلال هذه الطاقات البسيطة أنجزت إنجازا عظيما سدا وصفه الله تعالى بقوله : ( فما اسطعوا أن يظهروه و ما استطعوا له نقبا ) أي ما استطاع يأجوج و مأجوج صعود السد و لا أن ينقبوه من الأسفل أي يثقبوه .
إن من لا يكادون يفقهون قولا قد أنجزوا هذا الإنجاز فكيف بابن أو طالب سوي ما منعه من الإنجاز إلا صعوبة يحتاج إلى من يعينه على تجاوزها أو فكرة يعلم إياها ؟
سنرى منهم الأعاجيب إن نحن اتبعنا هذه الأسس و المبادئ التي ورد ذكرها في هذه القصة القرآنية الهادفة .
🎈الإشارة السابعة : إرجاع الفضل إلى صاحب الفضل :
بعد تحقق الهدف ( قال هذا رحمة من ربي ) لم يقل هذه مهاراتي و لم يقل هذا بفضل جهدي و لم ينسب الفضل إلى نفسه بل تحدثا بنعمة الله و فضله و تربية لهم قال لهم : ( هذا رحمة من ربي ) هكذا ينبغي للأب مع ابنه عندما يحصل على نتائج الاختبار أو ينجز عملا و ينجح فيه يقول له : (هذا رحمة من ربي ) أو يقول ( هذا من فضل ربي ) حتى يرد الفضل لصاحب الفضل و يربي ابنه على ذلك فلا يعتد الولد بعلمه أو بمهاراته أو بذكائه .
☘كتبه لكم :
سعيد بن عامر بن سيف العيسري
29 من رجب الفرد 1437 هـ
إبـــــــــراء