التربية على الحرية ( ٢ )
كنت متكئا يوما على الجدار الشرقي لمسجد الخويلية أكتب على شاشة هاتفي الأيفون فمر بي حمود فسألني : عن أي شيء تكتب ؟
قلت له : سألقي عليك ما كتبت فأنصت إلي .
فجلس و أقبل علي منصتا وبدأت قراءة ما كتبت قائلا :
قرأت مرة مقولة حكيم أعجبتني قال فيها :( لن تشعر الشجرة بحرية أكبر حين تنعتق من رق التراب ) .
متى يمارس الأولاد دور الشجرة الراغبة في الانعتاق من رق التراب ؟ يظهر هذا جليا في سن مبكرة عند الطفل فهو لا يؤمن بالقيود في كل شيء ، يريد أن ينام ساعة يشاء و يستيقظ ساعة يشاء ، و يريد أن يأكل ما يريد و متى يريد بلا قيد في وقت و لا نوع و لا كم ، و يريد أن يخرج من البيت مع أي خارج ترغب نفسه في مرافقته و في أي وقت و لا يريد أن يحد بمواقيت العودة للمنزل أومدة المكث خارج البيت ، و يريد التصرف في كل شيء بكامل حريته بلا قيد و لا شرط .
ما هو الموقف الذي تقفه من طفلك هذا ؟ هل أنت ممن يؤمنون بمبدأ الحرية فيذهب بك إيمانك العميق بالحرية إلى أن تلبي لطفلك كامل رغباته ؟ أم أنك ممن يضعفون أمام طلبات أطفالهم و لا تحب أن ترد أطفالك فتتحجج أنهم لا يزالون صغارا فتتركه وما يهوى ؟ أم أن سيد البيت لا ينبغي لأحد أن يشق عصى طاعته و يسير على غير أمره ، كما ينبغي دوما للسان حاله أن يقول لأهل البيت ( ما أريكم إلا ما أرى و ما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) ؟
إن هذا الحال وهذا لا ينبغي أن يكون بل ينبغي أن ترسخ الحرية بمعانيها السامية في نفوس أطفالنا و أن ننشئهم وفق قواعدها المتينة من مثل ( لا إفراط و لا تفريط ) التي ذكرناها في الحلقة الماضية و من مثل ( حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين ) و غيرها من المعاني الجميلة .
بعد ما أنهيت قرائتي تنفس حمود الصُّعداء و قال : كلام جميل و لكن صعوبته في تنفيذه أي في ترسيخ هذه المعاني التي تقولها في نفس الطفل و السؤال بكيف هو مربط الفرس في كل فكرة تطرح .
قلت لحمود : سأخبرك بتجربة صديقي إبراهيم مع ابنه عبدالله عندما أراد أن يعرفه حدود الحرية و أن الخروج عن الحدود يضر بالشخص نفسه قبل غيره منطلقا من مقولة هذا الحكيم .
قال حمود : هاتها فكلي لك آذان صاغية.
قلت : عندما كبر عبدالله بن إبراهيم قليلا و أصبح مميزا يفهم ما يريده أبوه أخذ أبوه بيده نحو الضاحية و وقفا أمام شجيرة في الضاحية تسمى شجرة ( اللوبيا ) فطلب إبراهيم من ولده أن يصف الشجرة فقال الولد :
خضراء
مثمرة
نَضِرة
قال الوالد : جميل جدا صف لي حركتها .
قال عبدالله :
تحرك أغصانها الرياح يمنة و يسرك و تتحرك إلى الأعلى عند نموها و تحرك جذورها للأسفل بحثا عن الماء لكنها مقيدة لا تستطيع التنقل و لا يمكنها أن تتحرك كما نتحرك نحن أو يتحرك الحيوان.
قال الوالد لابنه : لو افترضنا أن شجرة اللوبيا ضاقت ذرعا من هذا القيد الذي يسببه لها التراب فقررت التخلص منه و نيل الحرية المطلقة قائلة : إلى متى سأبقى مقيدة لا بد أن أتحرر من كل القيود و أولها هذا الطين الذي يمسك بي ليل نهار.
أخذ الوالد بشجرة اللوبيا و خلصها من رق الطين و أمسكها بيده و قال لولده : هكذا أصبحت شجرة اللوبيا حرة طليقة لا يتحكم فيها أحد .
سنتركها تعيش حياتها الجديدة و تتمتع بحريتها الكاملة و سنزورها غدا لنرى ماذا صنعت مع حياة الحرية المطلقة.
عاد الأب مع ابنه بعد يومين إلى الضاحية لزيارة شجرة اللوبيا و كان عبدالله يخُبُّ بين يدي والده متلهفا لرؤية شجرة اللوبيا و لما وصل إليها دهش إذ وجدها ميتة متهشمة أوراقها و سيقانها يابسة جذورها .
هنا بادر إبراهيم ابنه عبدالله بالتعليق على المشهد قائلا : أرأيت يا عبدالله ماذا فعلت الحرية المطلقة - التي لا تعترف بأي قيد - بشجرة اللوبيا ؟ لو أنها بقيت على القيد الحاصل من التراب هل كانت ستموت ؟
هكذا الإنسان يا عبدالله لو تخلص من كل القيود و طلب الحرية التي لا تعترف بقيد الدين و لا قيد القانون و لا قيد الأعراف و لا قيد الأخلاق سيموت كما ماتت شجرة اللوبيا و إن كان يتحرك لأنه سيتعرض للمشكلات و يكرهه الناس و ربما يدخل السجن فيفقد كامل حريته التي سعى للحصول عليها و قد يفقد دينه إذا سعى للتخلص من قيود الأحكام الشرعية فيدخل النار و العياذ بالله.
صمت عبدالله برهة و هو ينظر لشجرة اللوبيا ثم أمسكها بيديه ففتتها فأصبحت هشيما تذروها الرياح ثم غادر الضاحية مع أبيه و قد تلقى درسا في الحرية لن ينساه ما حيي .
كتبها : سعيد بن عامر بن سيف العيسري
إبراء - في الثلاثين المتمم لشهر ذي الحجة ١٤٣٧ هج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق