☘الشايب و العجوز
المشهد تحت السوقمة تلك الشجرة الضاربة في أعماق التاريخ و اليوم تشهد على حديث الوالد سعيد مع بني قريته من الشباب و الكهول الذين تحلقوا حوله يتبادلون أطراف الحديث.
الوالد سعيد قارب عقده السابع أن ينفلت أما الذين من حوله فلا يزال معظمهم في زَمرة الشباب و بعضهم في مراحله الأخيرة لكنهم يتمتعون بالقوة و الفتوة.
قال غالب لجلسائه : اليوم حدثت لي قصة أضحكتني فاستمعوا لها و أنصتوا لعلكم تضحكون.
أصاخ الجميع أسماعهم و حبسوا أنفاسهم و حدقوا غالب بأعينهم انتظارا للقصة المضحكة فقال غالب :
مررت اليوم على شايب في السوق اشترى بضاعة من البقالة بثلاثة ريالات و أعطى البائع ريالا واحدا و قال للبائع هذه خمسة ريالات خذ حقك منها ، ولما نظر البائع للنقد وجده ريالا و ليس خمسة ريالات ، فقال للشايب هذا ريال و ليس خمسة .
قال الشايب : بل هي خمسة .
حاولنا إقناع الشايب أنها خمسة و لم يقتنع و بكل الطرق و لم يقتنع حتى طلبنا منه إخراج المحفظة و أخرجنا له منها ورقة الخمسة ريالات و اقتنع بعد عناء.
ضحك جلساء غالب إلا الشايب سعيد لم يضحك بل ابتسم ابتسامة ساخرة ما انتبه لها إلا سيف الذي يرقب ردة فعل عمه الشايب سعيد الذي كان لسان حاله يقول : هل تضحكون على الموقف الذي حصل أم على شيبة الشايب التي أثرت في نظره و تفكيره و إدراكه ؟
لم ينتبه الحاضرون بل واصلوا ضحكهم و علق أحدهم على الموقف قائلا : هكذا هم الشياب ( ما شي عقل عاد ) .
قال غالب : حتى العجائز ما أقل كنت في يوم من الأيام في المستشفى ......
قبل أن يكمل غالب قصته الثانية نهض الشايب سعيد و قال بلهجة عمانية : أنا أترخص .
قفل الوالد سعيد راجعا إلى بيته و في نفسه ألم لما سمع و رأى .
قال سيف لجلسائه : هل تعلمون سبب مغادرة الوالد سعيد مجلسكم ؟ قال أحدهم : ربما ذهب ليستريح في بيته .
قال سيف : نعم ذهب ليستريح في بيته لكن أتدرون من أي شيء يستريح ؟
قالوا : لا ، من أي شيء ؟
قال : من همزكم و لمزكم .
دحر الجميع عيونهم و صرخوا بفم واحد : همزنا و لمزنا ؟؟ متى و كيف ؟ نحن نجله و نعزه.
قال سيف : عذرا إخوتي لقد استمرأتم كما استمرأ أكثر الشباب اليوم الحديث عن كبار السن و التنقيص من شأنهم و انتقاد تصرفاتهم و همزهم و لمزهم فلا يكاد يخلو مجلس من حكاية تبدأ بعبارة ( واحد شايب ) و ( وحدة عجوز ) ثم تلي الحكاية القهقهات و السخرية من الشايب و العجوز بل أن هذا يحدث حتى من الولد أمام أبيه أو أمام أمه تماما كالذي حدث منكم اليوم أمام العم سعيد ، هل تظنون أن الضحك و التندر على شايب آخر لم يؤثر فيه ؟ خاصة و أنكم - كما يفعل جميع الشباب - أتبعتم حكايتكم بتعميم مفاده أن هذا حال الشياب أو يقول البعض : ( تراه شايب إيش نسوي به ) و يقول آخرون ( حرمه عجوز إيش تترجاه تسوي ) نقول هذا و لا نلقي بالا لمشاعر أمهاتنا و آبائنا ، و يغيب عن عقلنا أن هذا صنف من أصناف العقوق .
قال سيف : لنكن شديدي الحذر عندما نتحدث مع كبار السن خوفا من جرح مشاعرهم ، فهم يتمنون التحدث مع من حولهم لكن إن كان مثل حديث اليوم فالصمت أفضل منه.
ندم غالب على ذكره للقصة و ندم الباقون على ضحكهم و قالوا ليتنا فقهنا هذا من قبل و ما أسأنا إلى آبائنا و أمهاتنا .
قال سيف : إذا لنتعلم من هذا الموقف هذا الدرس و لنتذكر أن من يمن الله عليه بطول العمر سيكون شايبا و أنه يحب أن يسعده أبناؤه و من حوله بحديثهم و لا يسخروا منه .
☘ كتبه : سعيد بن عامر بن سيف العيسري.
الثلاثاء ٢٣ من محرم الحرام ١٤٣٨هج.
إبراء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق